آراء وافكار

الدكتور امين حسن عمر

يكتب المشهد الان الفيدرالية السودانية.. إلى أين -2

 

التقى طرح الجبهة الاسلامية وحزب سانو في مؤتمر المائدة المستديرة وقع الحافر على الحافر الفيدرالية السودانية صورة قوية من صور الحكم الفيدرالي في العالم تكاثرت المحليات على طريقة تكاثر الأميبا بالانقسام مرة بعد اخرى عندما انعقد مؤتمر المائدة المستديرة في العام 5691م لم يجد وليم دينق من يقف الى جانبه في طرح الفيدرالية الا جبهة الميثاق الاسلامي وكان ذلك حليفاً غير متوقع في ذلك الزمان. وقد ادى التفاهم الذي نشأ بين الحركة الاسلامية وتيار الاعتدال في حركة المعارضة الجنوبية الي نشوء ما يشبه المنبر البرلماني المشترك والذي اطلق عليه آنذاك تحالف القوى الجديدة بعد انضمام الصادق المهدي وذلك بعد انشقاق جناحه عن الفصيل الرئيس في حزب الامة والذي كان يقوده آنذاك الامام الهادي المهدي. كانت الحركة الاسلامية متحمسة الى الحكم اللامركزي تحت ترتيب فيدرالي او شبه فيدرالي >اقليمي< وقد استطاعت لجنة الاثني عشر من بعد الاتفاق علي الخيار شبه الفيدرالي (الاقليمي) ثم أُتفق على تضمين ذلك في الدستور عندما وافق عليه حزب الأمة رسمياً في بيان فبراير 9691م. وعندما جاءت حكومة مايو لم تسمح بالاقليمية إلا لجنوب السودان فحسب وذلك وفقاً لاتفاقية اديس ابابا والتي منحت الجنوب الموحد حكماً ذاتياً اقليمياً وليس سراً ان الحركة الاسلامية قد اصدرت بياناً وافقت فيه على بنود الاتفاقية المعلنة ولكنها تحفظت على البنود السرية >وكان يقال يومذاك ان للاتفاقية بنود سرية< وقد اوضحت الايام انه لم توجد بنود سرية في الاتفاقية ولكنها روح المعارضة التي تأبى ان تؤيد عملاً للحكومة القائمة دونما تحفظ. الحركة الاسلامية والفيدرالية وهكذا فإن الحركة الاسلامية السودانية لم تتنكر لمبدأ قبول الحكم الفيدرالي وكانت من اجرأ الدعاة إليه ولم تنافسها في ذلك إلا الاحزاب الجهوية صغيرة الحجم.

بعد المصالحة كان الدكتور الترابي هو مهندس مشروع الحكم الاقليمي والذي انفذه نميرى لإكمال شكل الحكم الاقليمي في سائر انحاء البلاد. وقد كانت الحركة الاسلامية متحمسة لتطوير هذه المعادلة شبة الفيدرالية الى حكم فيدرالي كامل المعالم. ولذلك فانها لم تتردد في طرح الفيدرالية حلاً للمشكل السوداني وذلك من خلال مشروع (ميثاق السودان) والذي طرحت فيه الجبهة الاسلامية القومية مشروعها لحل مشكلة التعايش بين الشمال والجنوب في ظل الاحتكام للشريعة والعرف.

ومن خلال معادلة فيدرالية، دعا ميثاق السودان الى انموذج فيدرالي على نمط الفيدرالية المتوازية Dual Federalism اي تلك التي تعطى فيها الولايات صلاحيات دستورية موازية لصلاحيات المركز الفيدرالي.وقد تشاركه في بعض الصلاحيات. وهذا النمط المتوازي يعد من اقوى صور الفيدرالية خاصة لفيدرالية تنشأ في دولة كانت موحدة وتريد ان تتنازل عن صلاحياتها تدرجاً من المركز الى الاطراف. ذلك ان غالبية الفيدراليات في العالم نشأت بين كيانات مستقلة او شبه مستقلة ثم تطورت مثل ماحدث في الولايات المتحدة الامريكية من الكونفدرالية الي الفيدرالية المتوازية الى فيدرالية تغلب عليها المشاركة في الصلاحيات cancurrent powers ولكن يسود فيها مبدأ العلوية القومية national supermacy فسلطات الولايات تبدأ واسعة للغاية ثم تضيف شيئاً فشيئاً بالمزيد من التداخل بين الولايات الأمر الذي يجعل الأمور العابرة والمشتركة بين الولايات هي الاغلب مما يعنى المزيد من الصلاحيات القومية. لكن خيار الحركة الاسلامية ثم الانقاذ من بعد كان هو البدء بفيدرالية متوازية تعطى الولايات صلاحيات واسعة . وكان القصد من ذلك التجاوب مع رغبة الاطراف في الحكم الذاتي وكان المقصد الثاني ادخال الاطراف في سلطان الدولة لعجز الدولة عن مد ظل سلطانها الي حدود البلاد المتباعدة.. الاحزاب الشمالية الاخرى لم تكن بذات الحماسة لهذا الخيار الفيدرالي واعتبره البعض محاولة من الجبهة الاسلامية القومية لفصل الجنوب ليكون الشمال خالصا لتطبيق الشريعة الاسلامية. فيدرالية الانقاذ إلتقطت الانقاذ توصية مؤتمر الحوار الوطني حول قضايا السلام حول انفاذ الفيدرالية وإتاحة الفرصة لبروز الخصوصية الجنوبية من خلال الحكم اللامركزي الفيدرالي لتنفيذ تصورها الفيدرالي حول برنامج الحكم اللامركزي والاتحادي وشرعت في تطبيقه فوراً حتى دون ان تأخذ بعض الوقت لتسويق هذه الاطروحة في الاوساط الدولية والجنوبية . وعندما طرحت الحكومة تصورها في مفاوضات نيروبي التي كان الرئيس الامريكي الاسبق كارتر شهيداً عليها قال كارتر إن الحكومة قامت بواجبها المنزلي her home workخير قيام.

حركة التمرد لم تستطع ان تقدم نقداً موضوعياً للاطروحة سوي التشكيك في صدقية الحكومة. وان الاخيرة انما تلوح بالاماني وتتغني بالشعارات ولا تفعل شيئاً. ولو ان الانقاذ تريثت قليلاً قبل تطبيق خيارها الفيدرالي الذي لم يكن احد من المراقبين يصدق انها سوف تقدم عليه لكانت وجدت سعراً سياسياً مناسباً لاطروحتها الفيدرالية ولكن حماسة د. الترابي، لاطروحاته الفكرية من ناحية واشواق د. علي الحاج القديمة منذ ايام جبهة نهضة دارفور لحكم فيدرالي عجلا بانفاذ المشروع الفيدرالي للانقاذ. ولاشك ان التطبيق لم يتنزل بنفس قوة الطرح ولاغرابة في ذلك فالاقوال دائما اسهل من الافعال والتصورات ايسر من التمثلات. الفيدرالية المتوازية تعنى سلطات مستقلة تماماً للولايات عن المركز في كثير من الامور الجوهرية تدخل في ذلك امور الادارة جميعاً والخدمات جميعاً والتنمية >عدا المشروعات القومية< والموارد المحلية والاراضي ومصادر المياه إلا العابرة. كما تعني تخصيص موارد بالدستور للولايات ونسبة مخصصة من الدخل القومي بالدستور للولايات واعطاء الولايات سلطة الجباية الضرائبية إلا في الضرائب التي تصنف ضرائب قومية. وهذه بلاشك سلطات حقيقية واذا كان الأمر يعني سلطة حقيقية فهو يعني انتقال الصراع حول بؤرة السلطة هذه الى داخل الولاية بين القوى الحزبية او الطبقية او القبلية ولما كانت الانقاذ قد اضعفت الاحزاب مع سبق الاصرار والتعمد ولما كانت الطبقية ليست من سمات المجتمع السوداني فلم تبق إلا القبلية لتصبح مركزاً للصراع حول السلطة في الولايات . ولذلك فانبعاث الصراع القبلي بصورة غير مسبوقة بعد إنفاذ الحكم الفيدرالي لم يكن شيئاً مستغرباً لمن يقرأ الاشياء وفق سنن الاجتماع السياسي. وحكومة الانقاذ ألقت بالمزيد من الوقود لنار التنافس القبلي بموافقتها على بناء الاطر التنظيمية >محليات ،محافظات، ولايات< استجابة لضغوط قبلية . فاذا المحافظة تبني علي حدود القبيلة وتبني المحليات علي حدود العشائر وبطون القبائل وايما عشيرة رأت ان نصيبها منقوص من السلطة حشدت رجالها لتأكيد ولائها للانقاذ وبيعتها للقيادة .

وما كانت الانقاذ ولا القيادة بالمترددة في مكافأة هذا الولاء المبذول لا سيما وهو يأتى وهي تواجه معارضة خارجية تحمل السلاح وحصاراً دولياً واقليمياً يسد عليها الطريق في كل اتجاه. وهكذا توسعت الولايات من تسع ولايات الى ست وعشرين ولاية وتوسعت المحافظات الى العشرات فالمئات وتوسعت المحليات حتي عرفت التكاثر الاميبي >أي التكاثر بالانقسام ثم انقسام المنقسم< ولاشك ان انشاء الوحدات السياسية التي تتقاسم كعكة السلطة الولائية أمر ليس بالصعب ولكن الغاء هذه الوحدات لن يكون بغير عناء كبير وثمن سياسي ليس باليسير فالمعادلة هنا بخلاف القول (الهدم ايسر من البناء ) فالهدم في هذا السياق اشق واعلى تكلفة من البناء لان اعطاء السلطة يسير ولكن نزعها صعب عسير.

 نواصل

الصفحة الرئيسية