ندوة المستشارية الثقافية للجمهورية لإسلامية الإيرانية

دور الخلاوي في تكوين المجتمع السوداني

 الشيخ الحمدابي عضو مجلس علماء السودان

رصد ومتابعة/ابتسام عثمان

 

الخلوة هي الأساس في تنشئة الاجيال السودانية ـ كانت وماتزال مكانا للتعليم المستمر من المهد الي اللحد

الخلوة لاتعرف قيدا للالتحاق بها وتعمل في كل الاوقات وبابها مفتوح لكل طارق وخيرها  موفور لكل راغب

نظمت المستشارية الثقافية للجمهورية الاسلامية الايرانية امس الأول دردشة ثقافية بعنوان دور الخلاوي في تكوين المجتمع السوداني تحدث فيها  الشيخ  الحمدابي عضو مجلس علماء السودان فقال

 

 

كانت الخلوة هي الاساس في تنشئة الأجيال السودانية طوال القرون الماضية وكانت وماتزال مكانا للتعليم الذي يستمر من المهد الي اللحد او التعليم مدي الحياةـ لاتعرف قيدا للالتحاق بها  فتقبل الصغير والكبير وتقبل في كل الأوقات وتخرج في كل الأوقات وتعمل في كل الأوقات لاتعرف حدا لعدد الملتحقين بها ولاتعرف عددا من السنوات للبقاء  فيها ـ بابها مفتوح لكل طارق وخيرها موفور لكل راغب ـ يبدأ فيها الطفل تعليمه وهو في الخامسة من عمره فيتعلم الكتابة والقراءة وقد يجلس الي جانبه من فاته التعليم في الصغر حتي لو كان عمره سبعين عاما.. والخلوة تعتبر واحدة من المؤسسات التربوية التي تضرب جذورها في أعماق التأريخ السوداني وتحتل مكانة كبيرة في نفوس السودانيين ويعتبرونها  المعبر الأصيل عن هويتهم وانتماءهم الحضاري وكانت جزءا واحدا من المجمع الديني الكبير الذي يسمي المسيد وكان المسيد يشتمل علي مجموعة من الاقسام او المؤسسات هي المسجد الذي تقام فيه الصلاة ـ

 الخلوة التي يعلم فيها القرآن.

دار الضيافة.

داخليات الطلبة.

 دار للمرضى من المجانين وذوي العاهات.

ديوان للاجتماعات تبرم فيه أمور الناس من صلح واصلاح وشوري واقامة المناسبات الدينية والاجتماعية من افراح ومآتم

ü منزل لشيخ الخلوة

 ثم المنافع والملحقات اللازمة لحياة الجماعة وحيواناتهم

ويقول الشيخ الحمداني: علي الرغم من ان نظام الخلوة او الكتاتيب قد انقرض في كثير من البلاد الاسلامية وخاصة البلاد العربية وذلك بسبب مزاحمة المدارس لها الا ان هنالك عدة عوامل ادت الي بقائها واستمرارها في السودان دون سائر البلاد العربية ـ وقد أدت هذه العوامل لا الي بقائها وحسب بل الي انتشارها  خاصة في العقود الأخيرة..

وتتلخص هذه العوامل في الآتي:ـ

 ان تطور التعليم في بلادنا لم يبدأ من المؤسسة التربوية التي هي الخلوة ولكنه بدأ بعيدا عنها بل عمد الحاكم الاجنبي الي اهمالها وانشأ الي  جانبها مؤسسات تربوية علي نمط  غير سوداني وكان المنشيء لهذه المؤسسات التربوية الحديثة  هو الغازي الفاتح التركي ثم الانجليزي الذي سخر التعليم في السودان (كلية غردون التذكارية) انشأها تخليدا لذكرى غردون الذي حارب جيوش المجاهدين السودانيين وقتل علي ايديهم ولاشك ان الارتباطات النفسية التي خلفها الاستعمار وخلفها هذا الاسم بصفة خاصة في نفوس السودانيين تبرر المقاومة السلبية التي ابداها السودانيون نحو المؤسسات التعليمية التي انشأها الاستعمار وتبرر التمسك بالمؤسسة التعليمية السودانية الأصيلة التي هي الخلوة.

 العامل الثاني لذي ادي الي بقاء الخلوة واستمرارها وانتشارها هو ماتقدمه المدرسة الحديثة من مفاهيم وقيم  واخلاقيات لاترتبط بالبيئة السودانية وقيمها واخلاقياتها التي توارثها  الناس جيلا بعد جيل فتعامل فيها الناس بعزوف او حذر طيلة العقود الأربعة الأولي من القرن الماضي ـ ذلك لان  الاساس الذي بنيت عليه المدرسة غريبا عن الجذور السودانية وبعيدا عن اصولهم الثقافية وهذا مما دعا الناس الي التمسك ببقاء الخلوة التي وجد فيها أهل السودان في القري والبوادي بل وفي المدن مايعبر عن تأريخهم وجذورهم واصولهم الثقافية النقية.

 العامل الثالث في بقاء الخلوة واستمرارها وانتشارها هو ان الأسرة السودانية وهي المحضن الأول الذي ينشأ فيه الطفل والأسرة تكسب الطفل نماذج من السلوك وتكسبه القيم والاتجاهات نحو الخير والشر فيرى الطفل ابويه واهله يمارسون العبادات ويقرأون القرآن ويلقنونه شيئا منه منذ سنينه الأولي قبل ان يذهب الي الخلوة ويعرف ان القرآن كلام الله ويمتدح ابواه ومن حوله الاطفال الذين يقرأون القرآن فيتهيأ نفسيا للالتحاق بالخلوة

. ويري مظاهر الاصغاء برصفائه الذين يحفظون قدرا من القرآن فيكبرون في اعين الناس وتري الأسرة ان الخلوة خير من يرعي ابناءها ويصلح حالهم ويرفع جهلهم والتربية في مفاهيم اللغة العربية هي النشأة والترعرع والاصلاح والرعاية والزيادة وفوق ذلك فأن الخلوة تتمتع بالاحترام والقداسة في نفوس الناس لارتباطها بكتاب الله ويرون فيها مكان الفضيلة والطهر وعمل الخير.

العامل الرابع في بقاء الخلوة واستمرارها هو المجتمع وهو يقوم بدور الحارس الداعم لها ويوفر لها الظروف المادية التي تؤدي فيها رسالتها ويوفر لشيخها العيش الكريم وهو اي الشيخ لايطلب من المجتمع الا الكفاف ومايقيم  الأود ويستر الحال ـ والمجتمع هو الذي يقدم الغذاء والكساء للطلاب وهو اذ يفعل ذلك فلانه يرى ان للخلوة دورا هاما اساسيا في المجتمع  يجب ان تؤديه ولذا يجب ان تبقي وتستمر ففيها يرفعون جهل ابنائهم ويعرفون امور دينهم.

شيخ الخلوة او شيوخ  الخلاوي او القائمون علي أمرها هؤلاء يتمسكون  بقول الرسول (|) خيركم من تعلم القرآن وعلمه ولذلك تجد ان امنية كل شخص ان يقيم وينشيء خلوة تعلم القرآن اما ان يعلم فيها بنفسه او يجلب لها من يعلم فيها وبينما تعتبر مهنة التعليم في المدرسة او الجامعة حرفة لاكتساب الرزق والربح والسعة في العيش فان عمل شيخ الخلوة لايعتبر مهنة وانما يعتبر عملا دينيا مثل امامة الناس في الصلاة. ولذا تجد ان شيخ الخلوة لايخطر علي باله ان يكون ثريا لانه يعلم ان هذا ليس طريق الثراء ولو اراد الثراء للجأ الي عمل آخر... وشيخ الخلوة يعتبر نفسه صاحب رسالة يبذل نفسه من اجلها  لايبغي من احد جزاء ولاشكرا ومثل هؤلاء ايضا اولئك الذين يقومون علي امر الخلوة او يمولونها سرا او علنا.. وشيخ الخلوة يشارك المجتمع في افراحه واتراحه يؤدي  رسالة الاصلاح بين الناس والهداية للضالين وهو امام الناس في الصلاة ومأذونهم في عقد الزواج  يقوم بغسل الميت وتكفينه والصلاة عليه يؤاسي المصاب ويعالج المريض، يبني ولايهدم يقوم ولايكسر يصلح ولايفسد ولذلك يري الناس انه يسد ثغرة هامة في بناء المجتمع ويرون فيه طهارة النفس ونقاء السريرة والتواضع والبعدعن بهارج الحياة.

ويقول الشيخ الحمدابي

: هذه العوامل ادت الي بقاء الخلوة واستمرارها ومدها باسباب  القوة والنماء لكي تؤدى رسالتها التربوية وذلك علي الرغم من المنافسة الشديدة والفوائد المادية الجمة التي رآها الناس في التعليم النظامي العصري الذي يخرج الموظفين والحكام والأطباء والمهندسين واذا وجد الناس في المدرسة العصرية سلوي لهم في دنياهم فانهم يجدون في الخلوة سلوي لهم في دينهم وفي هويتهم وشخصيتهم السودانية الأصيلة. لقد اثبتت الخلوة نجاحا كبيرا في وظيفتها كمؤسسة لتعليم القراءة والكتابة وتحفيظ القرآن وامتازت علي غيرها من المؤسسات التعليمية بمجموعة من المميزات هي:

 انها تعمل بنظام المدرسة ذات المعلم الواحد وشيخها واحد مهما كان عدد الطلاب وهو يتخذ من طلابه مساعدين له.

ü ان نظام التعليم فردي... فكل طالب كأنه فصل قائم بذاته لايشترك مع زميله في الدرس الا بمحض الصدفة ثم يفترقان دون ان يتأثر او يؤثر احدهما علي الآخر والشيخ يتعامل مع كل طالب علي حده كأنه معلم مخصص له.

في الخلوة يسير كل طالب حسب قدراته وملكاته وظروفه فمنهم من يحفظ  القرآن في عامين ومنهم  من يحفظه في ثلاثة اعوام او اربعة او اكثر من ذلك ـ وليس هنالك تسابق في الحفظ وليس عيبا ان يبقى الواحد مدة اطول من غيره في حفظ القرآن ـ كل فرد في الخلوة طالب في نفسه ومعلم لغيره لان نظام الخلوة يقوم علي ان الكبير  يعلم  الصغير والمتقدم يعلم المتأخر فالذي يعرف الحروف يعلمها لمن لايعرفها وهذه الظاهرة تكسب الطفل الثقة في نفسه وتدربه علي القيادة وحسن التوجيه والتعامل والتعاون مع الآخرين.

شارك في الندوة الاستاذ صادق رمضاني المستشار الثقافي للجمهورية الايرانية ولفيف من المختصين والمهتمين.

 

 

 

الي الصفحة الرئيسية